في ديسمبر تمتلئ آيسلندا بالأضواء، ويُنشد الناس في الكنائس والمدارس والإذاعة عن مريم وطفلها. ويتعجب كثير من الآيسلنديين حين يسمعون أن المسلمين يحبون هذه الأم وهذا الابن أيضًا، وأن اسميهما في القرآن مريم وعيسى.
ومريم هي المرأة الوحيدة التي ذكرها القرآن باسمها، فقد ورد اسمها فيه أربعًا وثلاثين مرة، والسورة التاسعة عشرة اسمها مريم. أما عيسى فهو من أعظم الأنبياء في الإسلام، ولا يكون المرء مسلمًا حتى يؤمن به.
مريم، المصطفاة على نساء العالمين
لا يقدّم القرآن مريم شخصيةً ثانويةً في قصة ابنها، بل هي مصطفاة بذاتها، تخاطبها الملائكة مباشرة:
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ
وتحدث عنها النبي ﷺ بالمعنى نفسه:
خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ
وأخبر أنها وابنها حُفظا منذ اللحظة الأولى:
مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا
وكان أبو هريرة، راوي الحديث، يذكّر بدعاء أم مريم حين وضعتها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (آل عمران ٣٦).
الولادة تحت النخلة
قصة ميلاد عيسى في سورة مريم من أجمل ما في القرآن. كانت مريم قد انتبذت من أهلها مكانًا، فتمثّل لها الملَك بشرًا سويًّا وبشّرها بغلام، فأجابت كما تجيب أي فتاة:
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا
فقال الملَك إن ذلك على الله هيّن. ثم جاءت الساعة وهي وحدها:
فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا
لا يُخفي القرآن الألم والخوف، لكن الجواب يأتي في الحال:
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا
في القرآن لا يولد عيسى في حظيرة، بل تحت نخلة، وتُرزق أمه الرطب والماء.
ولما أتت مريم بالطفل قومها اتهموها، فلم تتكلم، بل أشارت إليه، فتكلم الطفل في المهد:
قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا
من هو عيسى في الإسلام؟
يعطيه القرآن أوصافًا لا يحملها نبي غيره، فهو المسيح، و«كلمة من الله»:
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ
وقد آتاه الله الإنجيل (المائدة ٤٦)، وأبرأ بإذن الله الأكمه والأبرص وأحيا الموتى (آل عمران ٤٩)، ويؤمن المسلمون بأنه سينزل قبل قيام الساعة (صحيح البخاري ٣٤٤٨).
حيث نفترق
خير لنا أن نقول ذلك بوضوح وأدب من أن نخفيه: المسلمون والمسيحيون لا يعتقدون الشيء نفسه في عيسى.
فعيسى في الإسلام نبي وعبد لله، لا ابن لله، كما يقول القرآن مباشرة بعد قصة ميلاده:
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ
وولادته من غير أب لا تجعله إلهًا، كما لم تجعل آدمَ إلهًا، وقد خُلق من غير أب ولا أم:
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ
وعن الصلب يقول القرآن:
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا
وبحسب القرآن رفعه الله إليه (النساء ١٥٨). هذا فرق حقيقي، ولا يلزم أن يفسد شيئًا، فالأصدقاء قد يختلفون في أكبر المسائل ويبقى بينهم الاحترام.
ما نشترك فيه
المسلم يؤمن بالأنبياء جميعًا، وعيسى واحد منهم:
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ
وقال النبي ﷺ عن عيسى:
أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ
وفي رحلة الإسراء والمعراج، حين أُسري بالنبي ﷺ من مكة إلى القدس ثم عُرج به إلى السماوات، لقي عيسى. وفي مقال رحلة الليل تفصيل الرحلة.
فإذا سألك زميل في العمل أو جار في ديسمبر عمّا يقوله المسلمون في يسوع، فهذا جواب حسن: نحن نحبه أيضًا. نروي قصة مريم تحت النخلة، ونسلّم عليه كما سلّم هو على نفسه في المهد:
وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا
وفي مقالَي أن نكون من أهل هذا البلد والجار مزيد عن العيش بوئام مع الجيران من أهل الأديان الأخرى.