→ كل المقالات

سؤالٌ واحد، إحدى وثلاثون مرة

في سورة الرحمن تعود جملة واحدة مرة بعد مرة، كاللازمة في القصيدة. ومواضعها ليست مصادفة.

ءَالَآءِ

فبأي آلاء ربكما تكذبان

سورة الرحمن ثمانٍ وسبعون آية، تتكرر فيها جملة واحدة إحدى وثلاثين مرة. وحتى من لا يفهم العربية يسمعها حين تُتلى السورة، فهي تعود مرة بعد مرة كاللازمة في القصيدة، أو كجوقة تجيب المنشد.

السؤال

فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان؟

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

الرحمن 13

الآلاء هي النِّعم، وهي أيضًا العجائب: كل ما صنعه الله من خير وعظمة. والسؤال بصيغة المثنى: ﴿ربكما﴾ و﴿تكذبان﴾، فالسورة تخاطب فريقين، الإنس والجن، وتسمّيهما صراحة:

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ

الرحمن 33

مواضع اللازمة

ليست مصادفة؛ اللازمة تتبع الموضوع.

١٧٨
  • الخلق ١–٣٠
  • الحساب ٣١–٤٥
  • الجنتان ٤٦–٦١
  • الجنتان الأخريان ٦٢–٧٨
  • اللازمة
سورة الرحمن، علامة لكل آية، والنقاط مواضع اللازمة

تأتي اللازمة أول مرة في الآية ١٣ بعد ذكر المخلوقات: السماء والميزان والأرض والفاكهة والحَبّ، ثم تتبع كل آية تقريبًا أو كل آيتين. فإذا عُدّت بحسب مقاطع السورة ظهر تقسيم:

  • ٨ في مقطع الخلق (الآيات ١٣–٣٠)،
  • ٧ في مقطع الحساب والعذاب (الآيات ٣٢–٤٥)،
  • ٨ في مقطع الجنتين الأوليين (الآيات ٤٧–٦١)،
  • ٨ في مقطع الجنتين الأخريين (الآيات ٦٣–٧٧).

وتأتي اللازمة حتى بعد آيات النار والعذاب، وقد بيّن العلماء أن الإنذار نفسه نعمة؛ فأن يُحذَّر المرء في وقته رحمة.

البداية

أول نعمة تُذكر ليست خلق الإنسان.

ٱلرَّحۡمَٰنُ

الرحمن ١

عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ

الرحمن ٢

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ

الرحمن ٣

عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ

الرحمن ٤

تبدأ السورة بالاسم نفسه: ﴿الرحمن﴾، وأول ما تذكره من فعله أنه ﴿علّم القرآن﴾، ثم ﴿خلق الإنسان﴾ و﴿علّمه البيان﴾. فنعمة القدرة على الجواب مذكورة في أول سورة تسأل سؤالها إحدى وثلاثين مرة.

ما يبقى

كل من على الأرض فانٍ، وله الجلال والإكرام.

في وسط تعداد النعم آيتان قصيرتان: ﴿كل من عليها فان ۝ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، وآخر آية في السورة تُختم بالكلمات نفسها:

الآية ٢٧

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ

الرحمن ٢٧

الآية الأخيرة

تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ

الرحمن ٧٨

النعم تمضي، والمنعِم يبقى.

جواب الجن

ليس السؤال للبلاغة وحدها؛ إنه ينتظر جوابًا.

قرأ النبي ﷺ سورة الرحمن على أصحابه من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال:

لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ فبأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قَالُوا لاَ بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ

جامع الترمذي ٣٢٩١

ولذلك يجيب كثير من المسلمين اللازمة حين يسمعون السورة: «لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد».