رمضان شهر الصيام، لكن القرآن لا يطيل في ذكره. فكل ما جاء فيه عن صيام رمضان في خمس آيات من سورة البقرة، من الآية ١٨٣ إلى ١٨٧. فيها متى نصوم، ومن يُعذر، ومتى يحلّ الطعام. وقبل ذلك كله: لماذا نصوم.
كما كُتب على الذين من قبلكم
الصيام ليس جديدًا، فقد كُتب على من قبلنا.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ
لا تبدأ الآية بالأحكام بل بالتاريخ: الصيام أقدم من الإسلام، عرفه أهل الكتاب قبلنا، والقرآن يضع صيام المسلمين في هذا السياق.
ثم تأتي الغاية في كلمتين: ﴿لعلكم تتقون﴾. وأصل التقوى من الوقاية، أي أن يجعل المرء بينه وبين ما يغضب الله وقاية، وأن يكون حاضر القلب مع الله في كل ما يفعل. والصائم وحده مع نفسه طوال النهار، لا يراه أحد إن شرب جرعة ماء، ولا يمنعه إلا علمه بأن الله يراه.
الصوم لي
كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام.
قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ
الصلاة يراها الناس، والصدقة يراها الناس، أما الصيام فلا يعلمه إلا الصائم وربه، وهذا ما يجعله مختلفًا.
اليسر لا العسر
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.
شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
في الآية أمران: لماذا رمضان؟ لأنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن. ثم الرخصة، للمرة الثانية في آيتين: من كان مريضًا أو على سفر فعدّة من أيام أُخر. وفي الآية قبلها (١٨٤) ذِكر الذين يطيقونه بمشقة شديدة، فعليهم فدية طعام مسكين، وأدخل فيهم أهل العلم الشيخ الكبير والمريض الذي لا يُرجى برؤه.
فالصيام ليس سباقًا في الاحتمال. الأطفال لا يصومون، ويرى أهل العلم أن للحامل والمرضع أن تفطرا إن شقّ عليهما الصيام أو خيف على الولد.
فإني قريب
في وسط أحكام الصيام: فإني قريب.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ
بين آيات الأيام والرخص والعدد، تأتي فجأة آية ليست عن الصيام بل عن الدعاء. وفي صياغتها لطيفة: في مواضع أخرى من سورة البقرة إذا سأل الناس النبيَّ ﷺ جاء الجواب بـ«قل»: ﴿يسألونك عن… قل…﴾. أما هنا فلم تأتِ «قل»، بل أجاب الله مباشرة: ﴿فإني قريب﴾.
ويرى كثيرون في ذلك أن الصيام والدعاء متلازمان، وأن الصائم أقرب.
الخيط الأبيض
يبدأ الصيام حين يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ
أخذ الصحابي عديّ بن حاتم الآية على ظاهرها، فوضع تحت وسادته عقالين أبيض وأسود، وجعل ينظر إليهما الليل كله فلم يتبيّن له شيء. فلما أصبح أخبر النبيَّ ﷺ فقال:
إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ
وفي آيسلندا ليست هذه مسألة نظرية: متى يتبيّن الخيط الأبيض في الصيف حين لا تكاد الشمس تغيب تحت الأفق؟ لذلك تُحسب المواقيت من موضع الشمس، كما في الصفحة الرئيسية. وفي رمضان ١٤٤٨ يكون الفجر في ريكيافيك نحو الساعة ٧:٣٦ في اليوم الأول و٦:٠٤ في اليوم الأخير.
أكثر من الطعام
من ترك الطعام ولم يترك الزور فاته المقصود.
مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ
ليس الصيام جوع البطن وحده، بل حفظ اللسان والغضب والعين أيضًا. ثم إن آخره فرح:
لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ
الكلمة نفسها في البدء والختام
تبدأ آيات الصيام وتُختم بالكلمة نفسها.
الآية الأولى
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ
البقرة ١٨٣
الآية الخامسة
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ
البقرة ١٨٧
خمس آيات في الصيام، أولها ﴿لعلكم تتقون﴾ وآخرها ﴿لعلهم يتقون﴾. وكل ما بينهما من أيام ورخص ودعاء وخيطين يدور حول هذا المعنى الواحد. فالصيام ليس الغاية، بل الطريق إلى أن يكون القلب حاضرًا مع الله، حتى حين لا يراه أحد.